وفاة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد

وفاة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد

  الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب، وعد الصابرين أجرهم بغير حساب، المتصرف في خلقه كيف يشاء، لا راد لما قضى ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب، جعل لكل إنساناً أجلاً لا يتجاوزه، (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)، نحمده سبحانه ونشكره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يحيي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد عبد الله ورسوله أرسله الله بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهادة حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً،،، أما بعد 

فيا أيها المسلمون: أتقوا الله تعالى حق التقوى، عباد الله: يقول الله تعالى:(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).

عباد الله: إن الله سبحانه تعالى لم يبتلي عباده بالمصائب في أنفسهم وأموالهم ليهلكهم، ولا ليعذبهم، ولكن ليبتليهم، بها امتحاناً لصبرهم ورضاهم، واختباراً لإيمانهم بربهم، فإن صبر العبد على ما حلَّ به من المصائب ورضي بما قدره الله تبارك وتعالى له، كفَّر الله عنه سيئاته وأثابه على صبره أجراً عظيما، فالمصائب يا عباد الله هي للمؤمن الصابر رحمةً ونعمة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).

عباد الله: إن الله تبارك وتعالى لم يجعل هذا الدار دار بقاء وخلود، بل جعلها دار امتحان واختبار، قال تعالى لرسوله -صلى الله عليه وسلم- {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} وقال تعالى {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}، وقال -صلى الله عليه وسلم- (لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها).

أيها المسلمون: إن مصيبتنا عظمى وفاجعتنا كبرى بموت فقيد الإسلام والمسلمين خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز عليه رحمة الله تعالى، فقد كان رحمه الله إماماً عادلاً وأباً رحيماً، أعزَّ الله به الإسلام وأهله، وحمى به حوزة الدين، ودافع عن حياضه، فرحمه الله رحمة واسعة، وعفا عنه وأسكنه فسيح جناته، وأحسن الله عزاء المسلمين فيه، ولا نقول إلا كما قال الصابرون (إنا لله وإنا إليه راجعون).

فقدت الأمة الإسلامية ملكاً وقائداً كان حريصاً على غرس الحب وجمع الكلمة وإشاعة الطمئنينة في نفوس الجميع، يسهر على رعاية مصالحهم، فالحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.

لقد كانت المصيبة عظيمة، والجلل كبير، لكن الله تعالى أثلج صدور المسلمين، وطمئن نفوسهم وأزال عنهم الحزن، وعوضهم الله خيراً بالبيعة لأخيه عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله، إماماً للمسلمين، وخادماً للحرمين الشريفين، فهو بحق أهل للإمامة ديناً وخلقاً وأمانةً، ملأ الله له القلوب حباً وإجلالاً، فهو الخليفة الراشد بحول الله وقوته، وقد رضيه المسلمون ملكاً عليهم وإماماً وخليفة وخادماً للحرمين الشريفين، يحكم فيهم بشرع الله وبسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويقيم العدل فيهم.

عباد الله: لقد كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز منذ البداية عضداً وسنداً بعد الله سبحانه وتعالى لسلفه رحمه الله، فحمل الراية بعد أخيه ليكمل المسيرة على نفس المنهج، منهج الكتاب والسنة، على فهم سلف الأمة، فرحم الله الملك المؤسس عبد العزيز فقد رسم الطريق ووحد المعالم، وأرسى دعائم هذا الصرح الشامخ على المنهج القويم، وحذا حذوه أبناءه البرره الملوك من بعده سعودٌ وفيصلٌ وخالدٌ وفهد، فرحمهم الله جميعاً وأسكنهم فسيح الجنان، وجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

وإن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله وولي عهده الأمين الأمير سلطان يحذوان حذوهم على حمل الأمانة وإكمال المسيرة لبلوغ الغاية السامية، والعمل لما فيه سلامة واستقرار وأمن هذا الوطن الغالي، فاللهم اشُدُدُ به يد أخيه وولي عهده، اللهم اجعله خير خلف لخير سلف، اللهم أيد الإسلام به وأيده بالإسلام، اللهم أدم عليه توفيقك ونصرك وتأييدك، واجعله إمام هدى وأصلح بطانته، وأسبغ عليه نعمك ووفقه لشكرها، وأعنه على ما تحمل، اللهم كن له معيناً ونصيراً، وهادياً ودليلا، اللهم اجعل عهده عهد خير وبركةٍ على الإسلام والمسلمين، اللهم انصر به الدين واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين، اللهم حقق على يديه للإسلام والمسلمين ما نرجوه من عزٍ ومجدٍ وتمكين، اللهم بارك للمسلمين في حياته، وأمده بروح منك، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن إذا ابتلي صبر وإذا أنعمت عليه شكر وإذا أذنب استغفر، وأغفر لنا ورحمنا إنك أنت الغفور الرحيم، أقو قولي هذا ...

عباد الله: بعد أن تمت المبايعة من أهل الحل والعقد لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، فإنه بذلك تكون في رقبه كل مسلم بيعةٌ شرعية للإمام ولولي عهده، لا يجوز خفرها ولا التهاون في شأنها، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح:( من مات وليس في عنقه بيعة للإمام فقد مات ميتةً جاهلية)، فيجب اعتقاد كل مسلم أن في رقبته بيعة للإمام ولولي عهده، على كتاب الله وعلى سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المنشط والمكره وفي العسر واليسر، وأن يستحضر ذلك دائماً.

فاتقوا الله عباد الله وحفظوا لولاةِ الأمرِ حقهم، وأعينوهم بالدعاء لهم بالتوفيق والتسديد في كل الأمور وفي كل حين، واعلموا عباد الله أن أصدق الحديث كتاب الله....