
أيها الإخوة في الله: كتب الله على أهل الحق دائما الابتلاء والامتحان، وزادهم من صنوف البلاء فتنةً لهم؛ حتى يرسخ إيمانهم وتصلب عقيدتهم، فلا يزعزعهم مزعزع، ولا يؤثر فيهم مخذِّل أو يشكك فيهم مشكِّك، إذ الأمة الإسلامية تعيش مرحله من الضعف والهوان، مما يؤكد أهمية ترسيخ العقيدة في نفوس الناس أفراداً وجماعات حتى تصلح حال الأمة وترتقي إلى علياء المجد وتتسلم زمام القيادة كما هو حالها في الماضي وحالها في المستقبل الذي أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم-.
والمسلم الصادق يسعى دائما في إصلاح خلل الأمة ودفع الذلّ عنها، ولا يكون ذلك إلا إذا صحّحنا نظرتنا لكل ما يحدث من حولنا ويقع بأمتنا.
أيها الإخوة، من المسلمين من نظر إلى الواقع المرّ الذي يتجرّعه المسلمون، فأصيب بخيبة أمل، وخيمت عليه نظرة سوداوية متشائمة، قطع الرجاء، وأضاع المستقبل، وأخذ يذكر أمجاد المسلمين الأوائل ويقيم عليها مأتما وعويلا، يتبنى دائما فكرة موت الأمة وهلاكها وعدم استطاعتها النهوض، وليته اكتفى بنفسه بل عكس هذه الصورة على المجتمع كله الذي أصبح ينظر له بهذه النظرة المتشائمة.
وهؤلاء ـ أيها الإخوة ـ هم المنهزمون، وحقيقتهم أنهم ضخّموا من قدر عدوهم، وحقّروا من شأنهم، ولو أنه قعد دهرَه كلَّه يشتم حاله ويندب مآله فلن يغير هذا من الواقع شيئا، وما أصدق قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هذا الصنف من المنهزمين: (إذا سمعتم الرجل يقول: هلك الناس فهو أهلكُهم) أو قال: (أهلَكَهم) رواه مسلم.
وصنف آخر نظر إلى حال أمّته وما هي عليه من ذل وهوان وتأخُّر، فأرجع سبب ذلك كلّه إلى تمسكها بدينها وشريعتها عياذاً بالله، فراحوا يرتمون في أحضان الغرب؛ يستجلبون رضاهم، ويطلبون محبتهم، ويتغنون بحضارتهم، حتى إذا نعق ناعق في الغرب وجدتَ صداه عندهم، فنصبوا العداءَ لتعاليم الإسلام وأحكامه؛ لأنها السببُ في تأخر المسلمين بزعمهم، وبدؤوا مخطَّطاتهم التغريبيّة بالمرأة، فأرادوا العبث بها وإخراجها بدعوى المساواة وحقوق المرأة وحريّة المرأة وعمل المرأة وكأن المرأة في مجتمعنا هذا مقيدة بالسلاسل، وحاولوا إفسادها بحجّة إصلاحها وتمدّنها، وتباكوا عليها كما يتباكى الذئب وهو يأكل الحملَ، ثم انتقلوا إلى ثوابت الأمة أرادوا زعزعتها والحط من شأنها فبدءوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واصفين له بأنه تدخل في الشؤون الخاصة، مستهزئين به وبرجاله، حماة الفضيلة، ثم عرجوا على خطب الجمعة محاولة منهم للتقليل من أهميتها، ثم الصلاة في المسجد وألفوا في ذلك مؤلفاً يدَّعون كذباً وبهتاناً وزوراً أن الصلاة في البيت أفضل من المسجد، في الحديث عن زيد بن ثابت ; أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : (صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة) أخرجه البخاري ومسلم وأهل السنن. أما هؤلاء فقد حرفوا كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحذفوا وبدلوا ظناً منهم أنهم سيغيرون شرع الله، وقد أجمع علماء الإسلام قاطبة أن صلاة الفريضة في المسجد أفضل من صلاتها في البيت.
وهذا الصنف المتغرِب شرٌّ على المسلمين، فهم لم يكتفوا بأن يكونوا ذيلا للغرب، حتى صاروا يردُّون أحكامَ الشريعة الظاهرة الواضحة، بزعم أنها لا تفِي بالواقع ولا تصلح لهذا الزمان.
فعلى المسلم أن يحذر منهم، ويحرص على دينه، فلا يتّبع كل زاعق وناعق وإن ادَّعى معرفةً وفهماً، فالحق عليه نور، والباطل عليه ظلمة، والإسلام يعلوا ولا يعلى عليه.
وصنف ثالث ـ أيها الأحبة ـ ينظر إلى حال الأمة المرير ثم لا تراه يحرك ساكنا! سلبياً في كل تصرفاته، عديم الشعور، فهو على أقل تقدير لم يرفع يده إلى مولاه بالدعاء الذي لا يكلّفه شيئا، و صدق الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام).
تجده مشغولاً بسفاسف الأمور، مغرماً بالفضائيات ليقتل وقته، ولا يُعِيرُ أي اهتمام لما يحل ويصيب إخوانه المسلمين، وهذا الصنف يخشى عليه من العقوبة، فإن الدنيا لا تدوم لأحد، ودوام الحال من المحال، {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}.
أيها الإخوة، أما أهل الحق والإيمان فعلموا وأيقنوا أنَّ لإيمانهم ضريبة لا بد أن يقدّموها وكنزا لا بد أن يدفعوا قيمته، وأن طريقا سار عليه أفضل الخليقة وأزكى البشرية أنبياء الله تعالى فلاقوا من الأذى والعذاب والقتل ما لاقوا فمن يسير في طريقهم لا بد أن يصيبه ما أصابهم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: {ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ *وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}.
نظروا إلى حال أمتهم الجريحة فآمنوا بقضاء الله وقدره، وأن ما أصابهم إنما هو أمر مقدر ومكتوب، {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}، وقال تعالى {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}. آمنوا بخبر الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-: (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء). ولم يقفوا عند هذا الحدّ بل سعوا في نشر نور الهداية والدعوة الصادقة إلى الرجوع للكتاب والسنة على فهم سلف الأمة رضوان الله عليهم، وبذلوا جهدَهم وطاقتهم وكلّ ما يستطيعون في رفعة شأن أمتهم، هذه النظرة التفاؤلية الإيجابية تدعوهم إلى التمسّك بدينهم، يؤمنون بوعد الله لمن أطاعه واتقاه، ساهموا في الحفاظ على أمتهم سيدةً بين الأمم.
يعلمون أنَّ ما أصاب المسلمين اليوم ليس بأشدّ مما أصاب المسلمين من قبل، لم ينسوا سقوطَ الأندلس وإقامة محاكم التفتيش والتي ظهر بها الوجه القبيح للحقد الصليبي هناك، والتي يخجل التأريخ من ذكرها، قتل فيها المسلمون وشرِّدوا وعذِّبوا.
لم ينسَوا سقوط بغداد وما حلّ بالمسلمين من مصيبة كبرى جراء همجيّة التّتَر، حتى بلغ بهم الذل أن يأمر التتريّ المسلمَ أن يقتل أخاه فيفعل.
لم ينسوا سقوط بيت المقدس في يد الصهاية المحتلين إخوان القردة والخنازير وما فعلوه في المسلمين من قتل وتشريد وتهجير.
لم ينسوا ما فعله الرافضة الحاقدين من قتل لإخواننا أهل السنة في العراق وتحالفهم مع النصارى الحاقدين، وما فعلوه في لبنان من تخريب وتدمير، كل ذلك يجول في خاطرهم ويمرّ ببالهم، لكنهم يعلمون ويوقنون أن الأمة الواعية هي التي تستفيد من أخطائها، وهي التي تجعل من أسباب هزيمتها وضعفها جِسرا وطريقا إلى النصر والعزة بأذن الله تعالى.
عباد الله: بقي أن نضع أيدينا على الداء لنعرف الدواء، ونستجلي الأسباب الحقيقية والسنن الإلهية لكل ما يحلّ بأمتنا الإسلامية.
فالبعض من الناس هداهم الله قد يجعل الخلَل من العلماء وحدهم، ويلقي بالمسؤولية على أعناقهم، ويتملص هو من أدنى مسؤولية. وهذا بحدّ ذاته خلل، فالعلماء ـ وأعني العلماء الربانيين ـ قد قالوا كلمتَهم، وصدعوا بالحق، وبينوا وأوضحوا، ونصحوا في كل محفل، لكن الناس مع الأسف الشديد منصرفون عنهم، وشيوع كثير من المنكرات والمحرمات أكبر دليل على ترك أقوال العلماء.
والبعض قد يجعل الخلل من قبل الحكّام، ويلقي باللائمة عليهم، ويشغّب عليهم، ويدعو الناس إلى احتقارهم، وهذا خلل أيضاً في التفكير؛ لأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (كما تكونوا يوَلَّ عليكم)، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، ولما جاء أحد الخوارج إلى عليّ بن أبي طالب-رضي الله عنه- فقال له: لماذا خرج الناس عليك ولم يخرجوا على أبي بكر وعمر؟! فقال له: لأن أتباعهما أنا وأمثالي، وأتباعي أنت وأمثالك.
عباد الله: إن من أهم الأسباب التي أدت إلى ضعف الأمة الشرك بالله؛ فإنه أعظم المحرمات وأكبر الأسباب الموجبة لعذاب الله في الدنيا والآخرة، انظر أخي المسلم كيف يحذّر الله خير البشر محمد -صلى الله عليه وسلم- ويقول له ما قال للأنبياء من قبل: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ}، وما أرسلت الرسل وما أنزلت الكتب إلا لتحقيق التوحيد ونبذ الشرك. فكيف يهدي الله قوماً انصرفت قلوبهم عن خالقهم إلى غيره، فتعلقت أفئدتهم بالأضرحة وبأصحابها، تعلقت بما لا يضر ولا ينفع؟! قال تعالى: {قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ}. فإذا حقق المسلمون التوحيد في أرضهم ونبذوا كلّ أصناف الشرك استمع لوعد الله لهم: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ}.
ومن أهم الأسباب التي أدت إلى ضعف الأمة، ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ففي الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعُنَّه فلا يستجيب لكم).
ومن أهم الأسباب التي أدت إلى ضعف الأمة، الذنوب والمعاصي والمجاهرة بها، وهي مهلكه للشعوب روحياًّ ومادياً، وهي معول هدم لكيان الأمة الإسلامية، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ}، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله). وهناك أسباب أخرى كثيرة أدت إلى ضعف الأمة:
منها الجهل بالأحكام الشرعية، والعلاج أن يتحصّن المسلم بالعلم ويلتفّ حول العلماء الربانيين الصادقين.
ومنها الترف والخروج به عن حدّ المعقول، قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}، ومن عواقبه السيئة أن نشأ جيل لا يعرف إلا ملذّاته وشهواته ومتعَه الزائفة، وهو في معزل عن أمته وجراحاتها.
فعلى المسلم أن يتقي الله ويسأل نفسه؛ لعل الله أخّر النصر عن هذه الأمة بسبَبه وبذنوبه، فيصلح من شأنه، ويصلح من تحت يده، ويحسن تربيتهم، ويحبّبهم في الإسلام، ويشغل أوقاتهم بما يفيدهم، ويدخل عليهم ما ينفعهم ويزكيهم، فإن صلاح رب الأسرة صلاح للأسرة، وصلاح الأسرة صلاح للمجتمع، وصلاح المجتمع صلاح للأمة بأسرها.
عباد الله: إننا ونحن نستقبل قادة المسلمين في عالمنا العربي الذين سيجتمعون في الرياض الأسبوع القادم، لندعو الله تعالى لهم بالتوفيق والسداد، وأن يجعل عملهم في صالح الأمة الإسلامية، ويعود على رعاياهم بالخير والبركة، فكما اجتمعوا في هذه البلاد المباركة بلاد التوحيد ومهبط الوحي ومنار الإسلام، فإن الآمل منعقدة بالله تعالى أن يتمم هذا الاجتماع بالخير وأن يثمر النصر والعز للأمة الإسلامية، نسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى، وأن يؤلّف بينهم، ويسدّد رأيهم ورميَهم، وأن يوفق قادة العالم الإسلامي لتحكيم الشريعة وتطبيق سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- إنه سميع مجيب، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم,,,