عبادَ الله، إنّ تنافسَ الناس في نيلِ مطامعِ الدّنيا لهو الأمر المعهود في غابِرِ الأزمان وحاضِرها، وإنِّه ليزدَاد هذا التنافُس معَ الطّمَع كلّما ازداد اللّهَث وراءَ المال، وما ذلك إلاَّ مِن شدَّة ولع النّاس بالدنيا وزخرفها.
المال عباد الله، المال الذي أودَعه الله بين عباده، يتناقلونه فيما بينهم، يبيع بعضهم لبعض، ويرابِح بعضهم لبَعض. ويصبِح التنافس والتهافُت في بعض الأحيان سِمةُ مِن سماتِ مغامرات الناسِ ومخاطراتهم، وهذا التنافسَ المحمومَ لم يسلَم مِن الظّلمِ والبُهتان والكيدِ والحسَد وأكلِ أموالِ الناس بالباطل؛ إذ ما مِن تَنافسٍ يخرجُ عن إطارِ الاعتدالِ والتوسُّط إلاَّ وتكون العواقبُ فيه وخيمةً والآفات أليمة. ومِن هنا تنشأ الفِتنة بين النّاس، فيبغِي بعضهم على بعض، ويلعَن بعضهم بعضاً، وهذِه النتيجةُ إنما هِي مصداقٌ لقولِ المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: (إنّ لكلِّ أمّةٍ فِتنةً، وفتنة أمّتي المال) رواه الترمذي في جامعه.
عباد الله: إنّ كرهَ الفقر وحُبّ الغنى أمران فِطريان، والشريعةُ الغرّاء لا تقِف في وجهِ الفِطرة التي فطَر الله الناسَ عليها، ولكنها في الوقتِ نفسِه تَبرُز كمصحِّحةٍ للمَسار حاثَّةٍ على الاعتدال في كلِّ شيء حتى في المال؛ لأنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قد استعاذَ بالله من شرِّ الغنى والفقر. فالإسلام لم يحثَّ قطّ على الفقرِ؛ لأنّ الفقرَ كاد أن يكون كفراً، ولم يحرِّض الناسَ على اللّهَث الأعمى وراء المال؛ لأنّ الإنسانَ قد يطغَى أن رآه استَغنى.
أيّها الناس، جاءَ في مسند أحمدَ أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ذكر أنّ الساعةَ لا تقوم حتى يفيضَ المال، وإنّ من المقرَّر المشاهَد في هذا الزّمن عباد الله كثرةَ المال وتنوّعَ موارده؛ مما جعل الناس يتهافتون إليه، حتى إنَّ التنافس في طلب المال لم يدَع بيتاً إلاَّ وأصابه بدخَن. وليس هذا هو العجبَ عباد الله، فإنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أخبرنا بهذا التنافس، وإنما العجَب حينما يكون هذا الانكبابُ والانغماس في الطّفرَة الماليّة لدى المستثمِرين عارياً عن الأناةِ والوضوح والتفريق بين ما أحلَّه الله وبين ما حرّمه، والعجب أيضاً أن تكونَ غاية الكثيرين هي التحصيلَ كيفما اتَّفق دون النظرِ إلى الضوابط الشرعية والقواعِد المرعيّة في أبوابِ المعاملات بين الناسِ بيعاً وشراءً ومرابحةً. ثم إن عدم المبالاة من قبل العض من المستثمرين هداهم الله بالحلال والحرام والنقي والمختلط، لم تأتِ بغتةً دون مقدّمات، بل إنها ترجع لقلَّة العِلم وضَعف الحرص على استجلابِ المال من طُرُقه الواضحة البيّنة من حيث الحِلّ والحرمةُ. وما نشاهِده اليومَ في سوق الأسهم لهو الدليل الواضح على مثل هذا التنافس غير المضبوط بالشرع، فالشركات متنوِّعة يعتري بعضاً منها شبَهاً وشكوكاً بل يعترِي بعضاً منها ظنٌّ راجح بأنها ملتاثةٌ بشيءٍ من الربا، وهذا التنافس يذكرنا بقول النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: (ليأتيَنَّ على الناسِ زمانٌ لا يبالي المرءُ بما أخذَ من المال بحلالٍ أو بحرام). رواه أحمد.
عبادَ الله، إنّ التضخم المالي الهائل في أوساطِ المستثمرين الكبار قد ولَّد شيئاً من الفتن والمشاحّةِ والدعاوى، إضافةً إلى الإعسارِ المفاجِئ والخسائرِ المتراكِمَة التي تحُلّ ببعض المستثمرين الصغار، فتشتعِل على إثرِها الخصوماتُ والنّكبات جرّاءَ تلكم المضاربات غير المدروسة في سوق الأسهم والتي يستفيد منها ناس دون ناس، وهذا كلّه يجعلنا نؤكِّد على توضيح بعض الأمور وتجلِيَتها لمن أصِيبوا بالعمَى في هذا الميدانِ واستنشقوا غُبارَه دون مراعاة للآخرين، وذلك من خِلال الوصايا التالية:
الوصيّة الأولى: عدم الإفتاء بغير علم، فتحريم ما لم يحرمه الله، أو تحليل ما حرمه الله عز وجل لا يجوز لأن التحريم والتحليل لله تعالى، قال سبحانه: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) فهذا الأمر مردُّه إلى أهل العلم المختصَّين الخبيرين بالأمور المالية شرعاً وواقعاً؛ لأن المعاملات تعددت وتنوَّعت وتفرَّعت، وأصبح من الصعب أن يستوعب الناس أنواع المعاملات خاصةً التي تحتاج إلى خبرة في كيفية فهمها ومعرفة أنظمتها.
الوصيّة الثانية: الاستفادة من أهل العلم والخبرة؛ فذلك دليل على رجاحة العقل وحصافة الرأي، فإن المال أمانة بيد الإنسان، لذا ينبغي عدم التسرع، واستشارة الثقات، والسؤال عن الشركات، ومعاملاتها، ومعرفة واقعها من الناحية الشرعية، والمالية، لئلا تغبَن أو تقع في الحرام.
الوصية الثالِثة: أنّ القناعة والسماحةَ في ميدان التّجارة أمران مندوبٌ إليهما إذ هما مظِنّة البركة، كما أنَّ الطمعَ والجشَع وعدم القناعة مظِنّة للكبوةِ وقِلّة البركة، ولقد قال النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: (من يأخُذ مالاً بحقِّه يبارَك له فيه، ومن يأخذ مالاً بغير حقِّه فمثله كمثلِ الذي يأكل ولا يشبَع) رواه مسلم. فالسماحةُ والقناعة هما رأسُ البركة وفي الحديث قال -صلى الله عليه وسلم-: (رحِم الله رجلاً سمحاً إذا باعَ وإذا اشترى وإذا اقتضَى) رواه البخاري.
الوصيّة الرابعة: وهي تصحيحٌ لبعضِ المفاهيم المغلوطَة لدى بعضِ المرابحين حيث يظنّون أنّ المعاملاتِ المحرمّة لا تكونُ محرَّمة إلاَّ إذا شابَها صورةٌ من صوَرِ الرِّبا، وأنّ أيَّ معاملةٍ خاليةٍ من الربا فهي حَلال، وهذا ظنٌّ خاطئ، بل إنّ المعاملات المحرّمة أعمّ في السبب من ذلك؛ لأنها في الحقيقةِ ترجع إلى ثلاثِ قواعد: أولاهنّ: قاعدةُ الربا بأنواعه وصوَره، والثانية: قاعدة الغرَر بأقسامه وأنواعه، والثالثة: قاعِدَة التغرير والخِداع بألوانه وأحواله.
وهذا ـ عباد الله ـ أمرٌ قلَّ من يتفطَّن له من التّجّار والمرابحين؛ لأنَّ المعاملةَ قد تحرُم بسبَب نُقصانها شرطاً من شروطِ صِحّة البيع المعلومة وإن لم تكن على صورةِ رِبا، فالبركة كلّ البركة في الكسبِ الحلال، والمحقُ كلّ المحقِ في الكسبِ الحرام.
الوصيةُ الخامسة ـ عبادَ الله ـ عدم استعمال المال الضروري في الأسهم، وادّخار ما يحتاجه المرء، فالتجارة مخاطرة، ربما ذهب معها المال بإذن الله تعالى ابتلاءً منه سبحانه، فمن الحزم الاستعداد ليوم الكريهة.
وكذا الصبر وعدم تعجُّل الربح ، فكلما زاد الصبر قلَّت الخسارة، والزمن جزء من العلاج، والربح السريع ربما جاء معه الخطر؛ فعدم مراعاة الضوابط الشرعية بشكل كامل، وسرعة اتخاذ القرار مع الغفلة عن بعض الثغرات التي لا تتضح إلا بالتأمل قد يؤدي إلى خسارة فادحة.
الوصية السادسة: تذكر يا عبد الله عواقب أكل الحرام، ففي الدنيا الاكتئاب، والقلق، والضيق، والأمراض النفسية، والاجتماعية، وفي الآخرة، قال -صلى الله عليه وسلم- ( لا يدخل الجنة لحم ولا دم نبت من سحت، النار أولى به ).
فعلى المؤمن أن يتقي الله تعالى، ولا يعرض نفسه وأهله لأكل الحرام والشبهة، فإن استجابة الله تعالى للدعاء مقرون بأكل الحلال، قال -صلى الله عليه وسلم- (يا سعد، أطب مطعمك تكن مجاب الدعوة).
الوصية السابعة: نشر الإشاعات والأكاذيب أمر محرم فإن إضرار المسلمين حرام، قال -صلى الله عليه وسلم-:( لا ضرر ولا ضرار)، فلا يجوز الكذب في نقل أسعار الأسهم، والافتراء على الأشخاص، وربما حلف بعضهم كاذباً في مواقع الانترنت، ومنتديات الأسهم أو في المجالس الخاصة، وهذه يمينٌ عظيمة ربما كانت غموساً عياذاً بالله؛ فقد قال -صلى الله عليه وسلم- :(من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد، لقي الله وهو عليه غضبان).وربما عدّ بعضهم ذلك شطارة, وذكاء، وهو لا يعلم أنه يوقع إخوانه المسلمين في الحرج، والخسارة.
الوصية الثامنة: كلنا يعلم أن الرزق من الله تعالى لا من الناس لذا فإن المؤمن يسأل الله تعالى لا الناس ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ). ويدعو الله تعالى بالسعة في الرزق، وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( اللهم ارزقني واهدني) ، ومن أفضل الأدعية في كسب الرزق المداومة على الدعاء بقول : ( اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك).
وبالتالي لا يجزع إذا أصيب في ماله، لأنه من الله تعالى، ولا يبطر إذا وسِّع عليه، قال سبحانه في قصة قارون : ( لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) وقال سبحانه : ( لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ).
ويجب أيضاً أن لا تشغل التجارة عن ذكر الله تعالى، قال سبحانه : ( رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)، وقال عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
مع العلم أن الحفاظ على المال من الضرورات الخمس، ولكنه بعد الحفاظ على الدين، والنفس، فهو وسيلة لإقامة الدين، لا غاية لذاته، لذا فقد يكون نقمةً في بعض الأحيان.
ألا فاتّقوا الله معاشرَ المسلمين، واتّقوا المالَ فإنّ فتنة هذه الأمة المال، ولتستمِعوا إلى قول الباري جلّ شأنه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}.
بارَك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم،
وبعد: فإنّ الشريعةَ الإسلامية قد جاءت موافقةً لبقيّة الشرائع السماويّة في حفظ الضرورات الخمس وهي الدين والنفسُ والعقل والنّسل والمال. فالبيعُ والشّراء والمرابحة كلُّها تندرِج تحت ضرورةِ حِفظ المال، وانطلاقاً مِن حِفظ هذه الضّرورة فإنّ الشارعَ الحكيم لم يدَعِ الفردَ المسلم حرّاً في التصرّف المالي دون ضوابط، لئلاّ يخرج بالمال عن مَقصدِه الذي أُكرِم به بنو آدم من كونِه نِعمة ومنّة إلى كونه نِقمة على صاحبه ووبالاً يُسأل عنه يومَ القيامة، فقد صحّ عند الترمذيّ وغيره أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم-قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع) وذكر منها: (وعن مالِه: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟).
فالواجب على كلِّ مسلمٍ أن يدركَ حقيقة المال وأنه سلاح ذو حدي، وليحذَر أشدَّ الحذر أن ينقلبَ عليه فتنة وبلاءً؛ لأنّ الله جلّ شأنه قال عن المال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}.
فالواجِبُ على ولاةِ الأمور والعلماءِ والمختصِّين في المعاملاتِ المالية أن يكونَ لهم جهودٌ ملموسَة في حفظ هذه الضرورة مِن خلال وضعِ الضوابط الشرعية والمصالحِ المرسَلَة لتكونَ سِياجاً منيعاً يحول دونَ العَبَث بأموال النّاس وأكلها بالباطل، ولأجلِ أن تقلِّلَ من ضحايا المرابِحين المتهوِّرين والبُسَطاء المغامِرين، ولئلاّ تكونَ السوقُ الماليّة متاحةً لكلِّ ساذِج يرعَى حولَ حِماها، وذلك حمايةً للحقوق والمصالِح ودرءاً للمَفاسد والعبَث بأموال النّاسِ، يقول الله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} ثم أعلموا عباد الله أن أصدق الحديث كتاب الله...